في إسبانيا، ترسخت ثقافة التعليم "التقليدي" بعمق بين المعلمين والطلاب على حد سواء. فالطالب الذي يحتاج إلى اجتياز الامتحانات ويبحث عن مركز تعليمي، يتصور عادةً حضور فصل دراسي يشرح فيه المعلم الدرس ويُعطي واجبات منزلية في نهاية الحصة. وقد ظل هذا النهج متبعًا لعقود، وهو الطريقة التعليمية الأكثر شيوعًا في المؤسسات التعليمية. إلا أن هذه الطريقة تُؤدي إلى مشاركة ضئيلة من الطلاب في عملية التعلم. ولذلك، ومنذ بداية مسيرتي المهنية، حرصتُ على إعداد طلابي باستخدام نماذج تعليمية مختلفة.
منذ سنوات عديدة، بدأت ألاحظ أن العديد من الطلاب الذين يتبعون هذا النموذج يواجهون صعوبات جمة في مواكبة المنهج. يحضرون المحاضرات، ويستمعون إلى شرح الأستاذ، ويفهمون النقاط الرئيسية للموضوع المطروح. ولكن عندما يعودون إلى منازلهم ويواجهون واجباتهم، لا يعرفون من أين يبدأون. لقد انتبهوا في المحاضرات، ودونوا الملاحظات، وحلّوا استفساراتهم، وعندما يعودون إلى منازلهم يتساءلون: "كيف أحلّ هذه المسألة؟!"
يصل العديد من الطلاب إلى الصف في اليوم التالي بواجبات منزلية غير مكتملة أو أسئلة كثيرة بلا إجابات. لا يعرف بعضهم كيفية التعامل مع هذا الأمر، فيقررون عدم الحضور، مما يخلق سلسلة من المشاكل التي غالبًا ما تؤدي إلى الغياب، وفي النهاية، إلى الانسحاب من الدورة. لذلك، بعد فترة، بدأت أتساءل: "ماذا لو فعلنا العكس؟ ماذا لو استمع الطلاب إلى الشروحات في المنزل، ثم حضروا إلى الصف لحل استفساراتهم وتطبيق ما تعلموه؟" هكذا أطلقتُ أنظمة التعلم الشخصي لأكاديمية برافوسول ، القائمة على منهجية الصف المقلوب.
ما هو الفصل الدراسي المعكوس؟
تتضمن هذه الطريقة قيام الطلاب بتحضيرات تمهيدية في المنزل قبل حضور الحصة، تشمل مشاهدة فيديوهات توضيحية، وقراءة المنهج وتلخيصه، وحل تمارين تدريبية موجهة محلولة مسبقًا. وتركز الحصة اللاحقة على أنشطة تتطلب مهارات معرفية متقدمة، مثل شرح مواضيع أكثر تعقيدًا، والإجابة عن الأسئلة، والتدرب الجماعي على التمارين والمسائل. وتؤكد هذه الطريقة على الدور الفعال للطالب في عملية التعلم، وتعزز اكتساب مهارات الدراسة، وتساهم في رفع ثقته بنفسه.
مثال
لنفترض أنك مطالب بتعلم كيفية حل نظام من المعادلات بمجهولين باستخدام طرق الاختزال والتعويض والمساواة.
في التعليم التقليدي:
في معظم مدارس إسبانيا، يحضر الطلاب حصةً يشرح فيها المعلم على السبورة كيفية تطبيق طريقة الحل المناسبة، مستخدمًا تمرينًا نموذجيًا مُعدًا لهذا الغرض. ثم يُجيب المعلم على أي استفسارات لديه حول تلك المسألة، ويطلب منه حل عشرة أنظمة معادلات أخرى في المنزل. عند عودتهم إلى المنزل، يحاولون تطبيق ما تعلموه في الحصة على ذلك التمرين، ولكن كالمعتاد، يجدون صعوبة بالغة في حله بشكل صحيح. عند هذه النقطة، وبدون مساعدة المعلم، تصبح عملية التعلم صعبة، إذ تُثقل كاهلهم العديد من الشكوك التي لا يجدون لها إجابات. في اليوم التالي، يكونون قد حلوا على الأرجح أربعة أنظمة من أصل عشرة بشكل صحيح، ولديهم بعض الشكوك حول طريقة حل نظامين منها، ولم يحلوا الأنظمة الأربعة المتبقية. وبالتالي، يحتاجون في اليوم التالي إلى مساعدة المعلم لإنهاء حل جميع التمارين بشكل صحيح.
النتيجة: تم استخدام جلستين دراسيتين لفهم وحل مشاكل الأنظمة.
استخدام أسلوب الصف المقلوب:
في أكاديميتنا، برافوسول، ستتمكن أولاً من الوصول إلى منصة افتراضية حيث قام المعلم بتحميل فيديو يشرح كيفية حل نظام المعادلات باستخدام الطرق الثلاث المذكورة. قبل حضور الحصة، يمكنك مشاهدة هذا الفيديو عدة مرات حسب الحاجة، بالإضافة إلى مراجعة مصادر أخرى مثل كتاب المقرر الدراسي، وتمارين التدريب الموجهة المكتملة ، ومواد إضافية أخرى. خلال جلسة الدراسة هذه في المنزل، ستتاح لك الفرصة لفهم المفاهيم الأساسية لهذا الموضوع وتدوين أي أسئلة قد تخطر ببالك.
بعد إتمام كل هذا العمل التمهيدي، ستتاح لكم الفرصة خلال الحصة الدراسية التالية لحل جميع الشكوك التي دونتموها، وستعملون بشكل تعاوني مع المعلم وزملائكم في الفصل لتعلم كيفية حل أنظمة المعادلات المختلفة، بالإضافة إلى الأدوات والحيل لتسهيل حلها.
- في جلسة أولية في المنزل، تقوم بمراجعة الكتاب المدرسي ومقاطع الفيديو التوضيحية والموارد الأخرى لتفهم بنفسك المفاهيم والمبادئ الأساسية لحل أنظمة المعادلات.
- تحاول حل التمارين النموذجية والموجهة والمحلولة جزئياً، مما يسمح لك بفهم العملية وزيادة ثقتك بنفسك.
- في اليوم التالي، في الفصل، تقومون بحل أي شكوك قد تكون لديكم في المنزل وتتعاونون مع زملائكم في الفصل ومعلمكم لفهم الموضوع من خلال حالات عملية.
النتيجة: لفهم وحل مشاكل الأنظمة، تم استخدام جلسة صفية واحدة.
القليل من التاريخ
ستُحدث الدراسة والتعلم والاستعداد للامتحانات بهذه الطريقة نقلة نوعية في مسيرتك الأكاديمية. فمن خلال الانخراط الفعال في عملية التعلم، ستزداد ثقتك بنفسك وتقديرك لذاتك يومًا بعد يوم. لم تعد بحاجة للذهاب إلى قاعة الدرس في وقت محدد لشرح الموضوع كاملًا. الآن يمكنك تلقي الشرح في المنزل، ومراجعته متى شئت، ثم العودة إلى قاعة الدرس حيث يجيب المعلم نفسه على أسئلتك حول المادة ويساعدك في حل التمارين والمسائل. تُعزز هذه الطريقة في الدراسة استقلاليتك ومهارات التفكير النقدي لديك. علاوة على ذلك، ولأنها طريقة مرنة، فهي تتكيف مع أي ظرف، كالتوفيق بينها وبين العمل أو الالتزامات الأخرى. كل هذا يعني أن أداءك الأكاديمي سيكون أعلى بكثير مما تتوقع.
لماذا تعمل؟
كان جوناثان بيرغمان وآرون سامز، وهما مدرسا كيمياء في كولورادو، مبتكري نموذج الصف المقلوب. في عام ٢٠٠٧، بدآ بتسجيل دروسهما بالفيديو ليتمكن الطلاب من مشاهدتها في المنزل واستغلال وقت الحصة للتدرب وطرح الأسئلة. في الوقت نفسه، قام سلمان خان بشيء مماثل مع ابن عمه، حيث قاما بتحميل مقاطع فيديو على يوتيوب، مما أدى إلى إنشاء أكاديمية خان. شجعت كلتا المبادرتين فكرة التعلم في المنزل وتطبيق ما تعلمه في الصف، وهو أساس نموذج الصف المقلوب . في الواقع، إذا تأملنا الأمر، ندرك أن المهارات الرقمية للمعلمين والطلاب، إلى جانب وفرة الموارد (مقاطع فيديو يوتيوب، ومواد دراسية بصيغة PDF متاحة عبر الإنترنت)، سهّلت على أي طالب يرغب في تعلم مادة ما أن يبدأ تحضيره في المنزل، دون انتظار حضور الحصة. هذا يعني أن جميع المؤسسات التعليمية بدأت بتقديم تعليمها عبر الوسائل الرقمية: ملفات PDF، ومقاطع فيديو، وعروض تقديمية، وما إلى ذلك. في إسبانيا، بدأت المدارس والجامعات في تطوير نماذج تعليمية متأثرة بهذا النوع من التعليم. في مدريد، التزمت أكاديمية برافوسول التزاماً راسخاً في عام 2018 بأسلوب الفصل الدراسي المعكوس، وقد أثبت أنه طريقة ممتازة لإعداد طلابها لاجتياز امتحاناتهم، مما أدى إلى رفع معدل النجاح لديها فوق متوسط الصناعة.


